


الشارع العام المتسع ..
حياة البساطة الابدية - الشريعة الاخلاقية الازلية
1- محاكمة الثراث
نحن في حاجة الى عقول خلاقة و متزنة نأمل ان تعيد الوعي بالواقع وليس الدوران
نحن في حاجة الى عقول خلاقة و متزنة نأمل ان تعيد الوعي بالواقع وليس الدوران
فقط في فلك الفلسفة الاكاديمية التي تريد ان تفرض نفسها من خلال الالتصاق بمصطلحات و قيم اليوم لتحاكم تاريخ الاسلام خالطة فيه المد العربي الجاهلي كي نزداد الماً وتخلفاً وتقزمًا وقهراً .
هذا المنحى " محاكمة الثراث " هو الفكر السائد هذه السنوات ورواده كثيرون جداً ولعل ابرزهم الجابري واركون وحسين امين و القمني وحامد ابوزيد وغيرهم كثير من الاكاديمين الذين لم تكتب لهم الشهرة بعد.
انني اعترف " وغيري كثير..! " بانني لم افهم هؤلاء وما الذي يحاولون تقديمه – وهم يعيدون كتابة الثراث بصياغة حديثة وجرأة محتشمة او سافرة. مهما طالت شروحاتهم و مهما كانت عدد الصفحات .. القراءة ممتعة لكن الهدف غير واضح و لا يمكن ان نضع مفرداتهم الا ضمن دائرة " التطرف الفلسفي " من حيث اعتماد النصوص الاسلامية التاريخية كأنها تعكس الواقع وحركة الحياة في مجتمعاتنا .
اليس السؤال هو : هل عقيدتنا وتراثنا هما السبب الرئيسي في انحطاطنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وعدم قدرتنا على مواكبة الحاضر؟ " لنسمي هذا السؤال " السؤال التائه..! " اليس هذا هو سؤال الجابري وأركون وابوزيد وعشرات من هؤلاء المفكرين المشهورين والاف البحاث غير المشهورين. وهل لكي نتحرر ونتقدم ونحسن الى الحضارة بكل ابعادها لابد لنا من غور اسبار الماضي وفك رموزه الثوارثية في صبغيات عقولنا ولكي نصل الى ما وصل اليه حامد ابو زيد بكل صراحة : الحل هو الانقطاع عن الثراث .
الفهم ممتنع عن الجابري وابو زيد و أركون وحسين احمد امين والقمني الذي دخل النقاش من باب " لماذا لم يمارس الصحابة الديمقراطية في اختيارهم ابوبكر " وبعضنا يعيش في بلدان الاب الذي لا يموت والابن الذي لا يمل الانتظار !! الفهم ممتنع لان ما يكتبونه يحمل في طياته معاني التكذيب للوحي .. لكنهم الى حد ما يمارسون لعبة الاستخفاف بعقول القراء و لا يتطرقون صراحة لأراءهم للابقاء على القراء .. بل اكثر من ذلك يستخدمون البدايات والنهايات الاسلامية مثل سيدنا وصلى الله ورضي عنه .. واذا تجاوزوا الحد الادنى من صريح القول يعتذرون بعبارات الاتهام للسلف او سوء فهم النصوص .
ما يدعوا للتسأل ويبدوا واضحا ان خلفية هؤلاء كانت اسلامية اي انهم كانوا اصحاب الخطاب الديني وتحولوا الى اليسار . ان ذلك جعلهم يدخلوننا معهم في ازقة وحارات التفكير الديني غير المتوازن الذي عانوا هم منه ، انهم في رحلة ذاتية لتجربتهم هم اي انهم يفككون معتقداتهم المركبة اصلا من اسلاميات " صالح لكل زمان ومكان " وهم يتوقعون ان الناس " العامة ..! امثالنا " قد مروا بالتجربة اياها او ان اسلاميي اليوم "السلفية – الاخوان – الصوفية " يعيرونهم اي اهتمام .
2- الشارع العام المتسع :
اذا كنا نهدف للاجابة عن السؤال التائه يجب علينا اولاً ان نحدد خصائص جديدة في ما يمكن تسميته ( إعادة ترتيب إعمال العقل في اشكاليات العقيدة وانعكاسها في واقع الحياة ) وهذه الخصائص هي القصد والاتزان و الطرح الواقعي و البساطة والوضوح . فالبساطة والوضوح ، تعبرا عن التصور الواضح والهدف الواضح وانه عندما تكون الفكرة واضحة يسهل التعبير عنها وتلامس الفهم عند إنسان الاغلبية والمثقف على حد سواء.
ان الانحباس المؤلم في فلك التفكيك وايقاعنا في فخ نقد العقل العربي وتقليب الثراث وتحميل كل الناس مسؤلية الخطاب الاسلامي المعاصر المتطرف المقلد وكأن الخطاب الاسلامي هو النسق الثقافي السائد الذي يحكم الواقع ..! لن يحركنا الى الامام . نحن ندعوا الى انشاء " شارع عام متسع" بدلا من الحارات والازقة الضيقة التي يفرضها علينا المنظرين اصحاب الاقلام السخية السجية المرسلة . وفي هذا الشارع العام المتسع يمكن لاي احد ان يعتبر الدين قيمة عليا و لايأخذ التفاصيل من الثراث كمنهج لحياته وهذا موقف واقعي لمن يريد الخوض فيه والدعوة اليه ، وبالمثل يمكن لاي احد ان يحاسب جزئيات خليط الدين والتاريخ ، أو يختار ان يقفز قفزة واحدة من سيطرة النصوص و فهم اكثر للواقع . لكن اهم ما في هذا الشارع العام المتسع هو وجوده اولاً واول تأسسيس له تقليل جرعة الامجاد التي ننشدها اذ من الواضح انه " في البدء كان الخبز..!" وانه فعلا بالخبز وحده يعيش الانسان .. فالحياة بسيطة مالم تعقدها نظرية .. او دين
3- حياة البساطة الابدية
الحياة مجرد الحياة كل ما يطلبه انسان هذا العصر " افطار وعشاء وعمل و عدل وامن وصحة و متعة و مال بسعة والاهتمام بالعلم والكثيرمن الثقافة .. الرسم والموسيقى والمسرح والسياحة ". يمكننا ان نسمي هذه الحياة البسيطة بـ " حياة البساطة الابدية " والتي تعني ابسط واقصرالطرق للعيش أما الامجاد.. فقد ولى زمنها .. لم يعد المجد للامة.. انما هو مجد الانسان ، ومجد الانسان ينحصر في امر واحد ، وهو ان لا يترك هذا العالم دون ان يضيف شيئا يجعل الحياة اكثر متعة و صحة ومعافاة .. وهذا المطلب البسيط ..! قد يفعله وهو مؤمن بالله متعلقا به ، أو يفعله لمجرد انه يؤمن انه جاء ولم يذهب دون تقدم نحو الامام ..
4- الشريعة الاخلاقية الازلية
في عصرنا تطورت عند انسان اليوم الشريعة الاخلاقية الازلية .. وهذه الشريعة الاخلاقية تفترض بل وتؤمن بأن الانسان مخلوق "خيّر" . مراجعة سريعة لكل الاديان في العالم ستوضح دون التباس التشابه فيما هو عقلي مقبول وفيما هو اسطوري ممتع والاسلام ليس استثناء. و من بداهة القول ان الاديان جميعها تدعوا الى الفضيلة .. لكنها تفترض ان الانسان مخلوق " سيئ " لا يمكن الوثوق به الا اذا حوصر عاطفيا ونفسيا واجتماعيا من هنا جاء الاختلاف في الدين مدعاة لعدم الثقة والكراهية بين متبعي الاديان المختلفة وداخل الدين الواحد هناك سلسلة من الطوائف والمذاهب تقوم على نفس قاعدة الاديان . كما ان ارتباط الاستبداد بالدين ارتباطاً وثيقا باشكال عدة ولعل الرمز القرآني لقصة النبي سليمان يصور لنا ان اجتماع الدين والسلطة مدعاة للاستبداد .. لكن تحت هذا الحصار الديني السياسي وبسببه عاش ويعيش ملايين الناس لا يهمهم الكثير من هذا التعقيد للحياة اذ انه يصعب جداَ عدم الاقتناع بان الحياة لا يفصلها عن العبث الا جدار رقيق وانها في اغلب الاحوال المصيبة التي تسبق مصيبة الموت .. فلما كل هذا التعقيد والحزن والغم ..؟
الناس يبحثون عن من يفهمهم ويفهم " المادة الخام للانسان" ومفاهيم تجعل الحياة اكثر سهولة واقل وطئة . انها " حياة البساطة الابدية " التي قامت على " شريعة اخلاقية ازلية " والتي لا زال الانسان يحقق النجاحات لتتوسع دائرتها لتشمل كل شعوب الارض .. هذه الشريعة الازلية لا يمكن ان تقوم على دين يستضعف الناس كل يوم أو يزداد مغالة بفضل وسائل التواصل الرقمية .. وكذلك لا تقوم هذه الشريعة على فلسفة تأملية تتصارع فيها المصطلحات ولا يمكن ان تقوم على خرافات ظريفة ممتعة من الماضي السحيق .. وانما تقوم على نظام فطري من اخلاق " الانسانية " تتفق مع بداهة العقل .. هذه الاخلاق مستقلة عن الدين و يؤمن بها ويطبقها الملحد و الناسك و تسري على الحكومة والناس ، هذه الاخلاق تتجلى فيها المعرفة لما فيه مصلحة الناس الحقيقية ليروا ما يصبون اليه حتى ينسجموا ويعملوا جميعا لتحقيقه كي تتوسع " حياة البساطة الابدية " لتشمل اكبر عدد من الناس الذين هم موجودن باطيافهم المختلفة في ذاك الشارع العام المتسع " ولعل معجزة اخراج 400 مليون من خط الفقر في الصين تبدوا ملهمة لهذا الاتجاه . ولان البساطة وبداهة العقل تقوم على مفهوم عقلاني بديهي وهو .. ان الانسان يتطور وهو اليوم افضل من الامس ، وانه كلما ترقى الانسان كلما تنازل عن غريزة الاستحواذ ومنطقة الصيد وكلما ازداد الناس معرفة و تعلما و اطلاعا على مجموع مكونات الدين الملئ بالاختلافات والاختلاقات كلها.. كلما ازدادوا ثقة فيما هو انساني وابتعدوا عن تفاصيل الثراث المملة المنعكسة في زمننا بقوة القهر والتخويف والنفاق .. واهتموا بالجوهر .. ان جموع المسلمين قد دخلوا المدارس و هم قادرون على فهم الدين و لاول مرة يتحولون من غوغاء ودهماء الى علماء ومتعلمين وسيستطيعون ان يفرقوا بين الغث والسمين في دينهم وسينتهون الى ان العلاقة مع الله معقدة ولا يمكن لدين و تفاسير الاجداد ان ترسم شكلا معين لهذه العلاقة .. لذلك فالملاحظ ان الاسلاميين " الذين عرفوا الاسلام وهم شباب اما من خلال اسرهم او من خلال الجماعات الاسلامية " هم اول من يكتشف هذا التوسع الديني الاسلامي اللامعقول ( الاقتصاد والبنوك الاسلامية ...! اسطورة الحكم بما انزل الله ..! القضاء والقدر خيره وشره ..! وما علم بالدين بالضرورة ...! ) وهم اول من يحس بالاغلال التي فرضتها عصور الفقهاء والخطاب والقصاصون وتصوريهم لاله ينتظر الزلات ويوقد جهنم حتى تحول الاسلام الى دين اسطوري متشائم ولانهم اي الاسلاميون اكتشفوا الخلاف بينهم تقريبا في كل امر من امور الدين حتى ان مفهوم الله مختلف فيه .. وان السمة الغالبة والمتكررة في كل مفردة من مفردات الدين الاسلامي هي " الاختلاف" تأمل كلمة خليفة والخلافة " " وخلاف الامة رحمة"..!
معضم تنوريو اليوم اسلاميو الامس .. توصلوا للبساطة .. الامرلا يستحق كل هذا العناء والاختلاف والتعصب والغضب المستدام الذي ينتقل من جيل الى جيل مع زيادة في تدوينات الخلاف و تغييب العقل .. لذلك فالشارع العام المتسع يلّوح من بعيد و هذا اتجاه واضح لا نملك إزاءه غير الاعجاب والترقب .. والنتائج بدأت تلوح فبمقدار جرعة الخوف التي يتركها الثراث الديني الاسلامي كما كانت المسيحية في القرن السادس عشر تفعل بقدر ما سيكتشف الناس ان الدين هو فقط احدى المداخل الاختيارية للاخلاق الابدية .. اما كونه مدخل لمعرفة الله فهذا امر خاص جدا لا يهم سوى الانسان نفسه ....
هذا امر والخوض في الثراث من اجل الهدم امر اخر ..
5- الجابري مثلاً :
هل نحن بحاجة الى غور الماضي ..؟ نحن نحب الماضي وتنوعه ونحن جزء لبشر يعيشون في الرقعة الجغرافية العربية الاسلامية شكلت وجدننا و نفتخر بها مثلنا مثل كل شعوب العالم .. لقد كان الاجداد رجال ساسوا العالم وشجاعتهم التي عبروا بها الاف الاميال في الصحاري المخيفة لينفتحوا على عالم لم يألفوه لابد وان نعترف بأنهم كانوا استثناء .. تفاعلوا مع زمنهم وخالطوا غيرهم وعرفوا شعوبا وافكار وعلوم ومناهج وانسجموا .. لذلك سنضل نتحدث عنهم باعجاب لكن ليس من منطلق النقد ولا منطلق العودة اليهم مجرد ثقافة مثيرة وملهمة لابناء المنطقة لا للسخرية ومحاولة اخراجنا من التاريخ الانساني . . هنا يأتي الجابري .. الذي تأثر بسلسلته في نقد العقل العربي الاف من الناس . بشكل سريع يعطيك الجابري انطباعاً عن مكونات العقل العربي وكيف تشكلت عملية التفكير والملاحظة والاستنتاج ثم يعود ليفصل بنية هذا العقل الخديج ليعده سياسيا واخلاقياً الى لا شئ ..! ، يعزل العرب والمسلمين عن العالم وكأنه وجدت امة لها ما لها للعرب من رقعة جغرافية دون ان يكون لها في تاريخها وحاضرها " بيان - و برهان - و عرفان " ؟ و كانه وجدت امة لها ما لها للعرب من رقعة جغرافية بدون ان يكون لها في تاريخها وحاضرها " عقيدة – قبيلة – غنيمة " ؟ النتيجة السوء = كائن عربي مسلم .. الخير= كائن غير عربي وغير مسلم .
إن " بداهة العقل " تجبرنا ان نضع فكر الجابري في سلسلة نقد العقل العربي فيما عبر عنه مونتي والذي تصدر كتاب حسين احمد امين المسلم الحزين " انه لمن ايسر الامور ان نثير في الناس مشاعر الازدراء لتقاليدهم القديمة . وما من شخص حاول ذلك إلا نجح ..! " .
لا شك بان الغموض ( مثل كل تاريخ الامم السابقة ) الذي يكتنف التاريخ العربي الاسلامي والمد العربي الجاهلي والاعتماد على ثراث النقل بالسمع والانطباعات و تدوينه تحت الخضوع السياسي والاجتماعي هو مادة خصبة للنقد و لا يحتاج الامر الى عبقرية .. لكن هذا النقد ليجيب عن " السؤال التائه " العودة للماضي كي نلوم قومًا مضوا من قرون تاركين ثراث اعتبرته امة الامجاد " تاريخ بطولي " كي نلومهم على ما نحن عليه وكل الذي بين ايدينا هو ما كتبه افراد منهم " كتبة السلطان " لا يعكس حياتهم ومن تم لان الفكرالمتداول بين هذه النخبة المستمجدة لا يعجبنا نقرر ان عقولنا نحن في هذا العصر عاجزة ..! هذا النقد لا يعطينا اداة لا للفهم ولا للتركيز على المشاكل الحيوية . ان العودة بالحاضر الى الماضي السحيق تدل على عجز مفكري هذا العصر ان يفرزوا جديد الافكار والرؤى لخلق وعي جديد .. كما ان تعميق الجدور للمشكلة الحضارية التي نعاني منها لا تصل بنا الا الى اليأس المطلق واننا حتمياً مقهورون و في طريقنا الى الزوال .
عبر مئات الصفحات يسير بك الجابري بأنتقائية في كل ما يطرحه والنتيجة انك لا تستوعب شيئا من هذه الانتقائية لكنها تصل بك الى حالة الازدراء والتي تصل منتهاها في العقل الاخلاقي الذي يدمر كل ما تبقى عند العربي بعد ان يفصله عن الاسلام " عربي خالص..! " عندها تتحول قيم الطاعة والفناء والمرؤة الى قيم الهم والغم والاحزان مقارنة بقيم السعادة بالغرب. هكذا يدورمختاراً ومنتقياً مصطلحاته و مفرداته بما يخدم الهدم هدم القيم والمكونات العربية الاسلامية ، إن استطاع ان يجعلها تقليدا لشعوب اخرى فبها وكأن انتقال الثقافات وتقليد الامم بعضها الاخر موقوفا فقط على هذه الامة ، و إن لم يستطع يرجع اصلها للاعرابي ذاك المسكين الذي نبغضه جميعاً. كما ان الجابري لا يعطيك حق السؤال البدهي الفطري والذي مفاده كيف اذن هي الامم الاخرى ؟ .. هو يضع السؤال ومنهج الاجابة عليه ، فهو يتكلم عن العربي الذي يعّرفه هو وتدخل انت في عملية الهدم وانت تقارن عرب اليوم مما يعطيك شعورا بالحكم عليهم " انت في الغالب تكرههم اما لاسباب سياسية او اقتصادية " والاحساس بأنك لست منهم " وهذا للاسف احد مظاهر القهر والتخلف " .. هذا الاسلوب دائما ينجح .. فسيد قطب وابو الاعلى المودودي اتبعا هذا المنهج والبدء بإزدراء ايمان العجائز وان لا احد فهم الاسلام حتى جاء المودودي وقطب ليقنعاك بانك انت وحدك اذا استوعبت ارائهم تفهم الاسلام افضل من افضل العلماء والشيوخ والوالدين والجار والصديق والمعلم هذا التعالي يناسب حالة الكره والاشمئزاز في مجتمعات القهر والتخلف فتتحول المسألة الى نوع من الفرجة والازاحة النفسية واظهار المكنون . فمن خصائص المتدمر والمقهور النيل من اعلى قيم المجتمع . كل هؤلاء المفكرون متفننون في توصيف المشكلة والازمة لتأخذك افكارهم المضطربة بعيدا فانت لست ملزم بشئ كل المسألة انك تتحول الى واصف جيد حتى السخرية " الجابري في اخلاق الفناء ..! " ليتحول خلق الوعي عند المهتم والمثقف مجرد وعي بالعجز والتفنن في توصيفه واجترار الاحداث .. فالتاريخ قيم منهارة لغيرنا والحاضر قيم حضارة لغيرنا . اما نحن فصفر .. هكذا ببراعة فائقة يجعل الجابري قارئه يتحمل هذا العبء المشين ثم يعطيه الاحساس بالفرج والفرح و انه صار " واعياً وصانع الوعي " فأمة الاسلام ليست على شئ كل موروث فيها " عورة " و عنصري قبلي وطمع دنيوي ونفاق من اجل السلطان حتى التصوف هرمسي هندي وكل ما فعله الثراث انه جهزنا للانحطاط السياسي والاقتصادي الذي نعاني منه الان .. انت اذن فهمت كل شئ ....
ثم تخرج للناس .. لتكتشف انك كنت مغشياً عليك .. مصطلحات فلسفية رنانة جميلة النغم واسلوب اكاديمي متعال... غاية في الانتقاء .. والنتيجة انك لا ترى في الواقع شخصنة لعربي الجابري ذاك الذي كوّن عقله الاعرابي البغيض السارق لافكار الفرس والهنودس واليونانيين وبقايا من نفايات الحضارات الاخرى .. الذي تجده هو عربي يكابد حياة صعبة .. يلجاء احيانا الى الله ليفرج عنه همومه و قصر اليد .. يعيش في امتحان وفتن .. خائف مرتقب .. متفرج .. مبغض لنفسه ولوطنه ولقومه و للعالم اجمع .. ثم ياتي الجابري ليقول انه كذلك لان التدوين تأخر, و لان العرب اقتبسوا البرهان والعرفان ولم يجهزوك للحضارة ..
ان شبح الالحاد في اطروحات الجابري – نجده مختبئاً خلف الثراث العربي الديني .. الجابري ليس له مشروع كما يدعي .. ان مشروعه لا يتعدى ما عبر عنه مونتي ازدراء التقاليد القديمة .. لكن اللعبة جعلته يتحمس .. اضطرراً للدخول من باب الاسلاميات لانه لا يوجد باب غيره في حركة الثقافة والعلوم الانسانية في بلدان القهر السياسي والفقر القدري المحتوم .. الباحثون عن الحل الاسلامي " الحل الاستثنائي ..!" هم الذين يقراءن ويشترون الكتب .. من هنا كان السطو على مفردات التاريخ الاسلامي بسذاجة كتابه الاوائل .. واعادة صياغته بعبقرية الجابري واسلوبه .. فقط لنكتشف ان البيان .. جاهلي المنشاء .. وان البرهان كان ملجاء الفلاسفة الرافضين للوحي .. وان العرفان كان بلسما ضد عجز الاسلام الروحي تم اصطفائه من روافد الاديان القديمة ..
قد لا يشاركني هذا الرآي ايا من قراء الجابري ففكرة الالحاد تدفعها الذات عن نفسها و يرفض العقل قبولها .. ونحن نقراء الجابري لا نهتم بما يؤمن به او لا يؤمن به الجابري واركون وابو زيد وغيرهم .. الدعوة الالحادية امر لا مفر منه .. وهي مقابل دعوة الايمان المفرط .. كلاهما لا يصنع شيئ لأنه امر عميق في النفس ..خاص .. معقد .. غير تابث .. الذي يسري في دماء شعوب الارض منذ بدء الخليقة هو التغلب على الطبيعة وعلى السئ من البشر المغالين الذين يريدون العلو في الارض وسحق الانسان وتحقيره ..
ليس هناك إجابة للسؤال التائه لان السؤال ليس منطقياً في الاساس .. نحن لا نريد ان نلتفت للوراء المسألة لا تستحق هذا الوقت .. نحن مثل كل سكان العالم نمر عبر عصور يحكمها الطغيان السياسي والجهل والظلم ومثل غيرنا ليس هناك من حل الا الحل الانساني مستأنسين بدين ام مستأنسين بذواتنا اللبشرية وهو ما يجب ان يدعوا اليه الانسان العربي والمسلم العربي : ليس سوى :
الديمقراطية وحرية الرآي والمشاركة والتراكم العلمي الثقافي والمواطنة المتكافئة .. مطلب صار بديهياً : حتى نحقق :
هذا المنحى " محاكمة الثراث " هو الفكر السائد هذه السنوات ورواده كثيرون جداً ولعل ابرزهم الجابري واركون وحسين امين و القمني وحامد ابوزيد وغيرهم كثير من الاكاديمين الذين لم تكتب لهم الشهرة بعد.
انني اعترف " وغيري كثير..! " بانني لم افهم هؤلاء وما الذي يحاولون تقديمه – وهم يعيدون كتابة الثراث بصياغة حديثة وجرأة محتشمة او سافرة. مهما طالت شروحاتهم و مهما كانت عدد الصفحات .. القراءة ممتعة لكن الهدف غير واضح و لا يمكن ان نضع مفرداتهم الا ضمن دائرة " التطرف الفلسفي " من حيث اعتماد النصوص الاسلامية التاريخية كأنها تعكس الواقع وحركة الحياة في مجتمعاتنا .
اليس السؤال هو : هل عقيدتنا وتراثنا هما السبب الرئيسي في انحطاطنا السياسي والاجتماعي والاقتصادي ، وعدم قدرتنا على مواكبة الحاضر؟ " لنسمي هذا السؤال " السؤال التائه..! " اليس هذا هو سؤال الجابري وأركون وابوزيد وعشرات من هؤلاء المفكرين المشهورين والاف البحاث غير المشهورين. وهل لكي نتحرر ونتقدم ونحسن الى الحضارة بكل ابعادها لابد لنا من غور اسبار الماضي وفك رموزه الثوارثية في صبغيات عقولنا ولكي نصل الى ما وصل اليه حامد ابو زيد بكل صراحة : الحل هو الانقطاع عن الثراث .
الفهم ممتنع عن الجابري وابو زيد و أركون وحسين احمد امين والقمني الذي دخل النقاش من باب " لماذا لم يمارس الصحابة الديمقراطية في اختيارهم ابوبكر " وبعضنا يعيش في بلدان الاب الذي لا يموت والابن الذي لا يمل الانتظار !! الفهم ممتنع لان ما يكتبونه يحمل في طياته معاني التكذيب للوحي .. لكنهم الى حد ما يمارسون لعبة الاستخفاف بعقول القراء و لا يتطرقون صراحة لأراءهم للابقاء على القراء .. بل اكثر من ذلك يستخدمون البدايات والنهايات الاسلامية مثل سيدنا وصلى الله ورضي عنه .. واذا تجاوزوا الحد الادنى من صريح القول يعتذرون بعبارات الاتهام للسلف او سوء فهم النصوص .
ما يدعوا للتسأل ويبدوا واضحا ان خلفية هؤلاء كانت اسلامية اي انهم كانوا اصحاب الخطاب الديني وتحولوا الى اليسار . ان ذلك جعلهم يدخلوننا معهم في ازقة وحارات التفكير الديني غير المتوازن الذي عانوا هم منه ، انهم في رحلة ذاتية لتجربتهم هم اي انهم يفككون معتقداتهم المركبة اصلا من اسلاميات " صالح لكل زمان ومكان " وهم يتوقعون ان الناس " العامة ..! امثالنا " قد مروا بالتجربة اياها او ان اسلاميي اليوم "السلفية – الاخوان – الصوفية " يعيرونهم اي اهتمام .
2- الشارع العام المتسع :
اذا كنا نهدف للاجابة عن السؤال التائه يجب علينا اولاً ان نحدد خصائص جديدة في ما يمكن تسميته ( إعادة ترتيب إعمال العقل في اشكاليات العقيدة وانعكاسها في واقع الحياة ) وهذه الخصائص هي القصد والاتزان و الطرح الواقعي و البساطة والوضوح . فالبساطة والوضوح ، تعبرا عن التصور الواضح والهدف الواضح وانه عندما تكون الفكرة واضحة يسهل التعبير عنها وتلامس الفهم عند إنسان الاغلبية والمثقف على حد سواء.
ان الانحباس المؤلم في فلك التفكيك وايقاعنا في فخ نقد العقل العربي وتقليب الثراث وتحميل كل الناس مسؤلية الخطاب الاسلامي المعاصر المتطرف المقلد وكأن الخطاب الاسلامي هو النسق الثقافي السائد الذي يحكم الواقع ..! لن يحركنا الى الامام . نحن ندعوا الى انشاء " شارع عام متسع" بدلا من الحارات والازقة الضيقة التي يفرضها علينا المنظرين اصحاب الاقلام السخية السجية المرسلة . وفي هذا الشارع العام المتسع يمكن لاي احد ان يعتبر الدين قيمة عليا و لايأخذ التفاصيل من الثراث كمنهج لحياته وهذا موقف واقعي لمن يريد الخوض فيه والدعوة اليه ، وبالمثل يمكن لاي احد ان يحاسب جزئيات خليط الدين والتاريخ ، أو يختار ان يقفز قفزة واحدة من سيطرة النصوص و فهم اكثر للواقع . لكن اهم ما في هذا الشارع العام المتسع هو وجوده اولاً واول تأسسيس له تقليل جرعة الامجاد التي ننشدها اذ من الواضح انه " في البدء كان الخبز..!" وانه فعلا بالخبز وحده يعيش الانسان .. فالحياة بسيطة مالم تعقدها نظرية .. او دين
3- حياة البساطة الابدية
الحياة مجرد الحياة كل ما يطلبه انسان هذا العصر " افطار وعشاء وعمل و عدل وامن وصحة و متعة و مال بسعة والاهتمام بالعلم والكثيرمن الثقافة .. الرسم والموسيقى والمسرح والسياحة ". يمكننا ان نسمي هذه الحياة البسيطة بـ " حياة البساطة الابدية " والتي تعني ابسط واقصرالطرق للعيش أما الامجاد.. فقد ولى زمنها .. لم يعد المجد للامة.. انما هو مجد الانسان ، ومجد الانسان ينحصر في امر واحد ، وهو ان لا يترك هذا العالم دون ان يضيف شيئا يجعل الحياة اكثر متعة و صحة ومعافاة .. وهذا المطلب البسيط ..! قد يفعله وهو مؤمن بالله متعلقا به ، أو يفعله لمجرد انه يؤمن انه جاء ولم يذهب دون تقدم نحو الامام ..
4- الشريعة الاخلاقية الازلية
في عصرنا تطورت عند انسان اليوم الشريعة الاخلاقية الازلية .. وهذه الشريعة الاخلاقية تفترض بل وتؤمن بأن الانسان مخلوق "خيّر" . مراجعة سريعة لكل الاديان في العالم ستوضح دون التباس التشابه فيما هو عقلي مقبول وفيما هو اسطوري ممتع والاسلام ليس استثناء. و من بداهة القول ان الاديان جميعها تدعوا الى الفضيلة .. لكنها تفترض ان الانسان مخلوق " سيئ " لا يمكن الوثوق به الا اذا حوصر عاطفيا ونفسيا واجتماعيا من هنا جاء الاختلاف في الدين مدعاة لعدم الثقة والكراهية بين متبعي الاديان المختلفة وداخل الدين الواحد هناك سلسلة من الطوائف والمذاهب تقوم على نفس قاعدة الاديان . كما ان ارتباط الاستبداد بالدين ارتباطاً وثيقا باشكال عدة ولعل الرمز القرآني لقصة النبي سليمان يصور لنا ان اجتماع الدين والسلطة مدعاة للاستبداد .. لكن تحت هذا الحصار الديني السياسي وبسببه عاش ويعيش ملايين الناس لا يهمهم الكثير من هذا التعقيد للحياة اذ انه يصعب جداَ عدم الاقتناع بان الحياة لا يفصلها عن العبث الا جدار رقيق وانها في اغلب الاحوال المصيبة التي تسبق مصيبة الموت .. فلما كل هذا التعقيد والحزن والغم ..؟
الناس يبحثون عن من يفهمهم ويفهم " المادة الخام للانسان" ومفاهيم تجعل الحياة اكثر سهولة واقل وطئة . انها " حياة البساطة الابدية " التي قامت على " شريعة اخلاقية ازلية " والتي لا زال الانسان يحقق النجاحات لتتوسع دائرتها لتشمل كل شعوب الارض .. هذه الشريعة الازلية لا يمكن ان تقوم على دين يستضعف الناس كل يوم أو يزداد مغالة بفضل وسائل التواصل الرقمية .. وكذلك لا تقوم هذه الشريعة على فلسفة تأملية تتصارع فيها المصطلحات ولا يمكن ان تقوم على خرافات ظريفة ممتعة من الماضي السحيق .. وانما تقوم على نظام فطري من اخلاق " الانسانية " تتفق مع بداهة العقل .. هذه الاخلاق مستقلة عن الدين و يؤمن بها ويطبقها الملحد و الناسك و تسري على الحكومة والناس ، هذه الاخلاق تتجلى فيها المعرفة لما فيه مصلحة الناس الحقيقية ليروا ما يصبون اليه حتى ينسجموا ويعملوا جميعا لتحقيقه كي تتوسع " حياة البساطة الابدية " لتشمل اكبر عدد من الناس الذين هم موجودن باطيافهم المختلفة في ذاك الشارع العام المتسع " ولعل معجزة اخراج 400 مليون من خط الفقر في الصين تبدوا ملهمة لهذا الاتجاه . ولان البساطة وبداهة العقل تقوم على مفهوم عقلاني بديهي وهو .. ان الانسان يتطور وهو اليوم افضل من الامس ، وانه كلما ترقى الانسان كلما تنازل عن غريزة الاستحواذ ومنطقة الصيد وكلما ازداد الناس معرفة و تعلما و اطلاعا على مجموع مكونات الدين الملئ بالاختلافات والاختلاقات كلها.. كلما ازدادوا ثقة فيما هو انساني وابتعدوا عن تفاصيل الثراث المملة المنعكسة في زمننا بقوة القهر والتخويف والنفاق .. واهتموا بالجوهر .. ان جموع المسلمين قد دخلوا المدارس و هم قادرون على فهم الدين و لاول مرة يتحولون من غوغاء ودهماء الى علماء ومتعلمين وسيستطيعون ان يفرقوا بين الغث والسمين في دينهم وسينتهون الى ان العلاقة مع الله معقدة ولا يمكن لدين و تفاسير الاجداد ان ترسم شكلا معين لهذه العلاقة .. لذلك فالملاحظ ان الاسلاميين " الذين عرفوا الاسلام وهم شباب اما من خلال اسرهم او من خلال الجماعات الاسلامية " هم اول من يكتشف هذا التوسع الديني الاسلامي اللامعقول ( الاقتصاد والبنوك الاسلامية ...! اسطورة الحكم بما انزل الله ..! القضاء والقدر خيره وشره ..! وما علم بالدين بالضرورة ...! ) وهم اول من يحس بالاغلال التي فرضتها عصور الفقهاء والخطاب والقصاصون وتصوريهم لاله ينتظر الزلات ويوقد جهنم حتى تحول الاسلام الى دين اسطوري متشائم ولانهم اي الاسلاميون اكتشفوا الخلاف بينهم تقريبا في كل امر من امور الدين حتى ان مفهوم الله مختلف فيه .. وان السمة الغالبة والمتكررة في كل مفردة من مفردات الدين الاسلامي هي " الاختلاف" تأمل كلمة خليفة والخلافة " " وخلاف الامة رحمة"..!
معضم تنوريو اليوم اسلاميو الامس .. توصلوا للبساطة .. الامرلا يستحق كل هذا العناء والاختلاف والتعصب والغضب المستدام الذي ينتقل من جيل الى جيل مع زيادة في تدوينات الخلاف و تغييب العقل .. لذلك فالشارع العام المتسع يلّوح من بعيد و هذا اتجاه واضح لا نملك إزاءه غير الاعجاب والترقب .. والنتائج بدأت تلوح فبمقدار جرعة الخوف التي يتركها الثراث الديني الاسلامي كما كانت المسيحية في القرن السادس عشر تفعل بقدر ما سيكتشف الناس ان الدين هو فقط احدى المداخل الاختيارية للاخلاق الابدية .. اما كونه مدخل لمعرفة الله فهذا امر خاص جدا لا يهم سوى الانسان نفسه ....
هذا امر والخوض في الثراث من اجل الهدم امر اخر ..
5- الجابري مثلاً :
هل نحن بحاجة الى غور الماضي ..؟ نحن نحب الماضي وتنوعه ونحن جزء لبشر يعيشون في الرقعة الجغرافية العربية الاسلامية شكلت وجدننا و نفتخر بها مثلنا مثل كل شعوب العالم .. لقد كان الاجداد رجال ساسوا العالم وشجاعتهم التي عبروا بها الاف الاميال في الصحاري المخيفة لينفتحوا على عالم لم يألفوه لابد وان نعترف بأنهم كانوا استثناء .. تفاعلوا مع زمنهم وخالطوا غيرهم وعرفوا شعوبا وافكار وعلوم ومناهج وانسجموا .. لذلك سنضل نتحدث عنهم باعجاب لكن ليس من منطلق النقد ولا منطلق العودة اليهم مجرد ثقافة مثيرة وملهمة لابناء المنطقة لا للسخرية ومحاولة اخراجنا من التاريخ الانساني . . هنا يأتي الجابري .. الذي تأثر بسلسلته في نقد العقل العربي الاف من الناس . بشكل سريع يعطيك الجابري انطباعاً عن مكونات العقل العربي وكيف تشكلت عملية التفكير والملاحظة والاستنتاج ثم يعود ليفصل بنية هذا العقل الخديج ليعده سياسيا واخلاقياً الى لا شئ ..! ، يعزل العرب والمسلمين عن العالم وكأنه وجدت امة لها ما لها للعرب من رقعة جغرافية دون ان يكون لها في تاريخها وحاضرها " بيان - و برهان - و عرفان " ؟ و كانه وجدت امة لها ما لها للعرب من رقعة جغرافية بدون ان يكون لها في تاريخها وحاضرها " عقيدة – قبيلة – غنيمة " ؟ النتيجة السوء = كائن عربي مسلم .. الخير= كائن غير عربي وغير مسلم .
إن " بداهة العقل " تجبرنا ان نضع فكر الجابري في سلسلة نقد العقل العربي فيما عبر عنه مونتي والذي تصدر كتاب حسين احمد امين المسلم الحزين " انه لمن ايسر الامور ان نثير في الناس مشاعر الازدراء لتقاليدهم القديمة . وما من شخص حاول ذلك إلا نجح ..! " .
لا شك بان الغموض ( مثل كل تاريخ الامم السابقة ) الذي يكتنف التاريخ العربي الاسلامي والمد العربي الجاهلي والاعتماد على ثراث النقل بالسمع والانطباعات و تدوينه تحت الخضوع السياسي والاجتماعي هو مادة خصبة للنقد و لا يحتاج الامر الى عبقرية .. لكن هذا النقد ليجيب عن " السؤال التائه " العودة للماضي كي نلوم قومًا مضوا من قرون تاركين ثراث اعتبرته امة الامجاد " تاريخ بطولي " كي نلومهم على ما نحن عليه وكل الذي بين ايدينا هو ما كتبه افراد منهم " كتبة السلطان " لا يعكس حياتهم ومن تم لان الفكرالمتداول بين هذه النخبة المستمجدة لا يعجبنا نقرر ان عقولنا نحن في هذا العصر عاجزة ..! هذا النقد لا يعطينا اداة لا للفهم ولا للتركيز على المشاكل الحيوية . ان العودة بالحاضر الى الماضي السحيق تدل على عجز مفكري هذا العصر ان يفرزوا جديد الافكار والرؤى لخلق وعي جديد .. كما ان تعميق الجدور للمشكلة الحضارية التي نعاني منها لا تصل بنا الا الى اليأس المطلق واننا حتمياً مقهورون و في طريقنا الى الزوال .
عبر مئات الصفحات يسير بك الجابري بأنتقائية في كل ما يطرحه والنتيجة انك لا تستوعب شيئا من هذه الانتقائية لكنها تصل بك الى حالة الازدراء والتي تصل منتهاها في العقل الاخلاقي الذي يدمر كل ما تبقى عند العربي بعد ان يفصله عن الاسلام " عربي خالص..! " عندها تتحول قيم الطاعة والفناء والمرؤة الى قيم الهم والغم والاحزان مقارنة بقيم السعادة بالغرب. هكذا يدورمختاراً ومنتقياً مصطلحاته و مفرداته بما يخدم الهدم هدم القيم والمكونات العربية الاسلامية ، إن استطاع ان يجعلها تقليدا لشعوب اخرى فبها وكأن انتقال الثقافات وتقليد الامم بعضها الاخر موقوفا فقط على هذه الامة ، و إن لم يستطع يرجع اصلها للاعرابي ذاك المسكين الذي نبغضه جميعاً. كما ان الجابري لا يعطيك حق السؤال البدهي الفطري والذي مفاده كيف اذن هي الامم الاخرى ؟ .. هو يضع السؤال ومنهج الاجابة عليه ، فهو يتكلم عن العربي الذي يعّرفه هو وتدخل انت في عملية الهدم وانت تقارن عرب اليوم مما يعطيك شعورا بالحكم عليهم " انت في الغالب تكرههم اما لاسباب سياسية او اقتصادية " والاحساس بأنك لست منهم " وهذا للاسف احد مظاهر القهر والتخلف " .. هذا الاسلوب دائما ينجح .. فسيد قطب وابو الاعلى المودودي اتبعا هذا المنهج والبدء بإزدراء ايمان العجائز وان لا احد فهم الاسلام حتى جاء المودودي وقطب ليقنعاك بانك انت وحدك اذا استوعبت ارائهم تفهم الاسلام افضل من افضل العلماء والشيوخ والوالدين والجار والصديق والمعلم هذا التعالي يناسب حالة الكره والاشمئزاز في مجتمعات القهر والتخلف فتتحول المسألة الى نوع من الفرجة والازاحة النفسية واظهار المكنون . فمن خصائص المتدمر والمقهور النيل من اعلى قيم المجتمع . كل هؤلاء المفكرون متفننون في توصيف المشكلة والازمة لتأخذك افكارهم المضطربة بعيدا فانت لست ملزم بشئ كل المسألة انك تتحول الى واصف جيد حتى السخرية " الجابري في اخلاق الفناء ..! " ليتحول خلق الوعي عند المهتم والمثقف مجرد وعي بالعجز والتفنن في توصيفه واجترار الاحداث .. فالتاريخ قيم منهارة لغيرنا والحاضر قيم حضارة لغيرنا . اما نحن فصفر .. هكذا ببراعة فائقة يجعل الجابري قارئه يتحمل هذا العبء المشين ثم يعطيه الاحساس بالفرج والفرح و انه صار " واعياً وصانع الوعي " فأمة الاسلام ليست على شئ كل موروث فيها " عورة " و عنصري قبلي وطمع دنيوي ونفاق من اجل السلطان حتى التصوف هرمسي هندي وكل ما فعله الثراث انه جهزنا للانحطاط السياسي والاقتصادي الذي نعاني منه الان .. انت اذن فهمت كل شئ ....
ثم تخرج للناس .. لتكتشف انك كنت مغشياً عليك .. مصطلحات فلسفية رنانة جميلة النغم واسلوب اكاديمي متعال... غاية في الانتقاء .. والنتيجة انك لا ترى في الواقع شخصنة لعربي الجابري ذاك الذي كوّن عقله الاعرابي البغيض السارق لافكار الفرس والهنودس واليونانيين وبقايا من نفايات الحضارات الاخرى .. الذي تجده هو عربي يكابد حياة صعبة .. يلجاء احيانا الى الله ليفرج عنه همومه و قصر اليد .. يعيش في امتحان وفتن .. خائف مرتقب .. متفرج .. مبغض لنفسه ولوطنه ولقومه و للعالم اجمع .. ثم ياتي الجابري ليقول انه كذلك لان التدوين تأخر, و لان العرب اقتبسوا البرهان والعرفان ولم يجهزوك للحضارة ..
ان شبح الالحاد في اطروحات الجابري – نجده مختبئاً خلف الثراث العربي الديني .. الجابري ليس له مشروع كما يدعي .. ان مشروعه لا يتعدى ما عبر عنه مونتي ازدراء التقاليد القديمة .. لكن اللعبة جعلته يتحمس .. اضطرراً للدخول من باب الاسلاميات لانه لا يوجد باب غيره في حركة الثقافة والعلوم الانسانية في بلدان القهر السياسي والفقر القدري المحتوم .. الباحثون عن الحل الاسلامي " الحل الاستثنائي ..!" هم الذين يقراءن ويشترون الكتب .. من هنا كان السطو على مفردات التاريخ الاسلامي بسذاجة كتابه الاوائل .. واعادة صياغته بعبقرية الجابري واسلوبه .. فقط لنكتشف ان البيان .. جاهلي المنشاء .. وان البرهان كان ملجاء الفلاسفة الرافضين للوحي .. وان العرفان كان بلسما ضد عجز الاسلام الروحي تم اصطفائه من روافد الاديان القديمة ..
قد لا يشاركني هذا الرآي ايا من قراء الجابري ففكرة الالحاد تدفعها الذات عن نفسها و يرفض العقل قبولها .. ونحن نقراء الجابري لا نهتم بما يؤمن به او لا يؤمن به الجابري واركون وابو زيد وغيرهم .. الدعوة الالحادية امر لا مفر منه .. وهي مقابل دعوة الايمان المفرط .. كلاهما لا يصنع شيئ لأنه امر عميق في النفس ..خاص .. معقد .. غير تابث .. الذي يسري في دماء شعوب الارض منذ بدء الخليقة هو التغلب على الطبيعة وعلى السئ من البشر المغالين الذين يريدون العلو في الارض وسحق الانسان وتحقيره ..
ليس هناك إجابة للسؤال التائه لان السؤال ليس منطقياً في الاساس .. نحن لا نريد ان نلتفت للوراء المسألة لا تستحق هذا الوقت .. نحن مثل كل سكان العالم نمر عبر عصور يحكمها الطغيان السياسي والجهل والظلم ومثل غيرنا ليس هناك من حل الا الحل الانساني مستأنسين بدين ام مستأنسين بذواتنا اللبشرية وهو ما يجب ان يدعوا اليه الانسان العربي والمسلم العربي : ليس سوى :
الديمقراطية وحرية الرآي والمشاركة والتراكم العلمي الثقافي والمواطنة المتكافئة .. مطلب صار بديهياً : حتى نحقق :
" حياة البساطة الابدية " و" شريعة اخلاقية ازلية " ..
وشارع عام ومتسع تتمشى فيه كل الافكار باطمئنان .. ولا احد ينادي " قف " من هناك ..؟ وماذا تقول..؟
وشارع عام ومتسع تتمشى فيه كل الافكار باطمئنان .. ولا احد ينادي " قف " من هناك ..؟ وماذا تقول..؟
هناك تعليق واحد:
الموضوع جميل والحوار حوله متاح فى ملتقانا"شبه اليومى"
اما هنا احييك واقتطف زهرة من بستانك الجميل.....
.....
نحن مثل كل سكان العالم نمر عبر عصور يحكمها الطغيان السياسي والجهل والظلم ومثل غيرنا ليس هناك من حل الا الحل الانساني مستأنسين بدين ام مستأنسين بذواتنا اللبشرية وهو ما يجب ان يدعوا اليه الانسان العربي والمسلم العربي : ليس سوى :
الديمقراطية وحرية الرآي والمشاركة والتراكم العلمي الثقافي والمواطنة المتكافئة .. مطلب صار بديهياً : حتى نحقق :
" حياة البساطة الابدية " و" شريعة اخلاقية ازلية " ..
وشارع عام ومتسع تتمشى فيه كل الافكار باطمئنان .. ولا احد ينادي " قف " من هناك ..؟ وماذا تقول..؟
إرسال تعليق