إهداء الى زميلي الدكتور وضاح العراقي
ماذا لو ان سالم وصف احداهن بانها قبيحة ؟ سيسمع قبيح القول من زوجته لطيفة لان وصفه لاحداهن بالقبح يعني ان الاخريات من جيرانها وقريباتها جميلات ! سالم .. الضاحك الباكي اخبرته امه ان ولادته كانت صعبة وكانه امسك بحبل سرته يأبى الخروج وعندما اختتن لم يبكي ولم يصيح ، ونشأ في حرب دائمة ، برغم اسمه لم يسلم من شئ ، والان نمت مشاعره نحو كل الاشياء بين حب وكره . وطنه وقومه ، تراثه وتاريخه ، حياته ودنياه ، الفكر الذي تدارسه والحضارة التي يعيشها ويتحداها. وما حظه من الدنيا كما كان يتحدث الي رفقائه، سوى هامش صغير من كل الاشياء التي حوله ، وأن هلالا واحدا في حياته البائسة لم يكتمل ، لم تسعفه سعة اطلاعه ، وشغفه بالفكر والمفكرين ذوي النوايا الحسنة من كل انحاء العالم ، وبالرغم من انه كان دائما على استعداد ان ُيحدث انقلابا في حياته ، الا انه لم يفلح من التمكن من أي شئ ، بل تمكنت كل الاشياء منه ، زوجته ورؤساؤه ، وطنه الصغير المنشغل عنه بالنماء ، ووطنه الكبير المنشغل عنه بالاستمجاد ، العالم بأسره تمكن منه ، وصار أسيراً ، اختزل حياته في حجم اللحظة مثقفا أو في طابور جميعة او فارًا من الاشياء الي الاشياء نفسها . فعاش حياته متفرجا ، وبات سالم منذ زمن ... بات يعّرف الانسان بأنه حيوان متفرج .
لا يدري كيف تبلور الزمن الذي ولد فيه ، وكيف توالت احداث عصره فيجد نفسه قد استدعي لاداء الخدمة العسكرية .. انه ليس الانقلاب الذي كان يتمناه ، يالها من سخرية الاقدار .. العسكرية ؟ الشرف والحرية ، القتل والهرب والهزيمة مصطلحات ليست في ثقافته وكابوس ليس في احلامه. لكنه سرعان ما ابتلع التجربة ، فمرت ايامه العسكرية منمطة مثل البزة المستوردة التي يرتديها ورقم مستورد من النحاس الرخيص ، يتعلم ما يطلق عليه فنون العسكرية والمصنف لديه بانه فن تجريدي !! تسخر التجربة منه ويسخر منها فهي تذكره وتؤكد له كل يوم ، كم هو فعلا مهمشا . هو يعرف من عدوه ، وعدوه هذا هو الذي يصدر له البزة ، والرقم ، والسلاح ، والمسّميات العسكرية الاخرى . يالها من حياة بائسة ، تحاوره نفسه باستهزاء ويحاورها كلما وقف في طابور التمام الصباحي " الم يكن عدوك المرض والجهل والفقر ؟ ، ثم اين مشروعك الحضاري الذي ورثّه عن القرون القديمة ، وعن عهود التنوير الغربي ! " وبات سالم من حينها .. بات يعرّف الانسان بانه حيوان "ساخر" !.
قبل اسابيع من تسريحه ، انتشرت اشاعة عن حرب في الجنوب ، هو لايعرف عدو له لا في الشرق و لا الجنوب ، ازدادت قوة الاشاعة ، وفي يوم صيفي ممل اصطف ومن معه للتفتيش وتلقي اومر جديدة ، دبّ خوف ارتسم على وجوه من حوله وحّول الشفاه الي بياض مرعب ، ودقات القلوب طبول حرب ، ماهية الاوامر الجديدة ؟ احساس خفيّ ّتبثه وقفة الاستدعاء الطارئة ، والتحركات السريعة في المعسكر ، وعندما دخلت المعسكر شاحنات عسكرية مستوردة ملئت انفارا مثلهم ، لم يعد احساس الرعب خفيًا ، بل صارخًا بانتصابِ شعر راسِ كل مجند ، اما سالم فقد احس ان كل شعرة في جسده تحولت الي شوكة . اطلت افكاره من راسه وتزاحمت امام عينيه تقهقه ساخرة ، وقبل ان يرتد اليه بصره ، خرج من احد الشاحنات عريف ، لعله مستورد هو الاخر ، علّقت افكاره شامتة ، واسترسلت : مجرد عريف .. لم يقرأ تاريخ الحضارات ليتونيبي ، ولا راس المال لكارل ، ولا الاقتصاد لآدم ، ولا حتى الفاتحة التي سيقرأها الجميع على روحك قريبا ، لطيفة بالطبع لن تقرأها .!
وقف العريف امام الطابور ، كان مرتعش لكنه مهيب ، وبحركة بطيئة ماكرة رفع ذراعه فانتصبت سبابته .. توقفت القلوب ، اما قلب سالم فقفز الي حلقه واستقر بين لوزيتيه ، اتجهت ابصار الافراد الي ذلك الاصبع .. هذا الاصبع .. لن يبدأ سمفونية .. او قراءة التشاهد .. انه اصبع الموت . اشارة منه وستأخذ ايا منهم الي المعركة ، الاشاعات تقول والشاحنات تؤكد. بين الوجوه البائسة ، والعيون الغائرة الاصبع يبحث والانظار تتابعه في خشوع الموت .. تلون كل شئ بلون التراب الحزين ، وفي مكان ما وقف الشيطان شامتا ً. تمنى سالم لو انه داب في ظله ، انه ليس حتى في هامش الحياة ، تأمل العريف لم يجد الالوان لوصفه ، أهو احمر كالاتراك ؟ ، ام اسمر من المور ام اخضر كالجان ؟ يتكلم اللغة نفسها و بذل متكبر ، ونظرات قلقة حزينة مقهورة ينادي العريف.. انت .. انت ..انت .. يقولها في عجالة مشيرا بذلك الاصبع المرتعش . انه الان يحي ويميت تذكر سالم الانبياء والعلماء ، وتذكر قراءته لسارتر ونيتشة وبلزاك وفيكتور والبير وماركيز ، وكعادته ، كلما تذكر هؤلاء تخيل مدينته وقد تّلونت بلونٍ ورديٍ جميل ، واطلت من جميع نوافذ بيوتاتها فتيات جميلات يبتسمن له. اقترب الاصبع من الصف الذي هو في مؤخرته ، انه يدرك ما سيحدث لو ان هذا الاصبع اشار اليه ، قضاء وقدر لا كما تقول المعتزلة ، وحدة الوجود لا كما يقول ابن عربي ، اصبع مصنوع من تراب وماء لكنه اصبع عريف ، يزداد طولا كلما اقترب منه ، لم يجد دعاءً واحدا ليذكره ، حاول ، لكن الموقف انساه جميع المؤثرات ، حتى بداء يحس بان انفاسه التي تتسارع ستتقطع وقلبه الذي بين لوزيتيه سيقفز ويهوي لسيتقر الي الابد تحت حذاء العريف . على بعد نفرين منه .. العريف يقترب .. يقترب ..هنا .. تذكر جزء من دعاء " الي قريب يتجهمني" واغمض عينيه .. اغمض عينيه .. اشتم رائحة العريف تمر من امامه كرائحة الموت ، لقد اخطاءه ذلك الاصبع اللعين ، لقد تجاوزته تلك السبابة الشيطانية .. لقد نجى ...
لم يهتم سالم باخبار الحرب ، لا التي في الجنوب ، ولا التي في الشرق ، فقد خرج من التجنيد كيوم ولدته امه ، مولود مشّوه ، لا فطنة ولا همة ، حتى ان لطيفة لم تعد مشكلة اعتاد سخفها وثرثرتها ، بل اصبحت تسلية له مع اصحابه يروي جنونها ضحكا او حزنا . لم يتجاوز بعد ولسنين طويلة تجربة ذلك الاصبع الذي يشغل بؤرة شعوره ، وما تبقى من عمره ، انه يراه عزريل في الصباح بلا انشراح ، وفي المساء بلا عناء ، في الاخبار والاغاني ، في الشوارع والحواري ، عند العمل وعند الكسل ، في الاعياد الدينية والوطنية . لقد سّلم سالم نفسه للخوف ، وخوفه سيقطعه قطعاً ، الارض ستزلزل ، والاسقف ستقع ، والاوبئة ستنتشر ، ومن بعدها عذاب القبر والثعبان الاقرع وجهنم برؤس شياطينها وعرفاء جيشها ، الكل سيجهز عليه ، الكل ينتظره وسيلتهمه ، وبات سالم يقينا .. بات يعرف الانسان بانه حيوان خائف ..
سمع عن حلاوة الايمان ، تدين ، الحلاوة الوحيدة التي عرفها هي حلاوة بوله عندما اصيب بالداء السكري ، والرفعة الوحيدة التي عرفها ولم يبشر بها هي رفعة ضغط دمه . لم تنفعه لا فلسفة الاوائل ولا المتأخرين في ابعاد شبح ذلك العريف وسبّابته حتى انه اكتسب مهارة فائقة في تأمل الاصابع والانامل ، واكتشف ان سبّابات بني وطنه كلها تتشابه ، وتّيقن ان السبابة انما جاء اسمها في اللغة من السبب او من السّب !. او من كليهما !.
عقود مرت بسالم ، وصلت به الي الستين دون ان يدرك معنى الاربعين ، وفي ليالي كل مواسم الصيف القصيرة والشتاء الطويلة ، يعيد موقف الطابور ، وذلك الاصبع اللعين يتحرك مرتعشا امام الاعين الغائرة .
دخل العيادة .. جلس .. تأمل المرضى . نادى المنادي برقمه ابتسم بسخرية .. رقم ! .. مرة اخرى انا مجرد رقم ! .. زجّ بنفسه يجرها ، لايدري كيف تجسد التاريخ وعاد وكانه في ذلك المعسكر ، نفس الخوف ونفس الافكار المتدفقة المتدافعة امام عينيه تسخر منه . دخل غرفة الكشف واتجه بخطوات مرتعشة الي كرسي امام مكتب الطبيب ، حاول ان يتعرف عن جنس ذلك الطبيب انه يشبه ذلك العريف ، احمر واسود وبه خضرة مخيفة ، قال الطبيب :
" انك خائف " لماذا كل هذا الخوف ؟
استجمع سالم ما تبقى من قواه وقال بسرعة مدهشة :
" انا اعرف ان الخائف يتبول دون إرادة ! و انا اجد صعوبة في التبول بإرادة ! " قالها مبتسما بيأس وسأم" .عندها انتصب الطبيب واقفا ، تامل سالم الطبيب مرة اخرى : " يـاه ! انه ذاك العريف تصاحيت افكاره مزدحمة وكأنها تريد ان تخرجه من صوابه : انه كالمارد .. نعم لا بد وانه المارد العربي .. انه الثائر .. لا .. انه من الاسلاف..من المعتزلة .. من المرتزقة وقبل ان تتمكن افكاره المجنونة منه ، دفن راسه بين كتفيه . لكن الطبيب بادره قائلا بلغة واثقة وببيان واضح أمرا اياه : لا.. لا تخف .. ارفع راسك يا أخي .. تعال .. تعال استلقي هنا على سرير الكشف استلقي هنا على بطنك لابد لنا من الكشف على البروستاتا !!!.
العالم بسعته ، ونوافذ المدينة الوردية ، وجميع المأثورات والفلاسفة والفقهاء والشعراء ومشروعه الحضاري لم ينقذوه من ذلك الاصبع اللعين وتلك السّبابة الشيطانية ..
كان الالم سخياً كريماً قاتل.. لفظ سالم انفاسه الاخيرة ..
ومات وهو يعرف الانسان بانه حيوان ........!
هناك تعليق واحد:
يالله ....كم هى رائعة
اتمنى لك التوفيق
إرسال تعليق