الأحد، 21 سبتمبر 2008

كيف نجعل لحياتنا معنى؟










مقابل تقديس أفراد هذه المنطقة للتراث والماضي يكون قدر بخسهم لقيمة ما يتم إنجازه في الحاضر ورغبتهم العميقة في إحباط المشاريع الناجحة


قد تبدو هذه العبارات ذات صيغة تعميمية لكنها وإن تخلت عن التعميم فهي لا تتخلى عن ادعاء أن الأغلبية أو نسبة عالية من الأفراد يحملون مثل هذه المواقف.
ولعل الاستماع إلى الناجحين فى مجتمعنا ، يوضح مدى ما تعرضوا له في البداية من سخرية واستهزاء واستخفاف فالفنان الموسيقي قاوم كثيرا وأكثر من جهة حتى وصل إلى النجاح ولاعب الكرة والرسام والكاتب والمخترع... إلخ. كل هؤلاء قاوموا الكثير من المواقف المحبطة المستهترة فهم لم يسلموا فقط من التجاهل وعدم الدعم بل تعرضوا للكثير من المواقف المتكررة التي تتجه كلها إلى وأد النجاح والإبداع في دواخلهم ولذا أعتقد أن الناجح لدينا ، هو ناجح مضاعف لأنه قاوم أضعاف ما يقاومه الناجح الآخر في محيط اجتماعي وثقافي آخر

الإشكالية التي نحن بصددها ذات أبعاد كثيرة ومتشابكة فهي نتاج لحالات أعمق في لب العقل والثقافة، فالموقف من الآخر ومن نتاجه وإبداعه ودوره في الحياة هو من أعمق المواقف الثقافية، فالثقافة التي تتأسس على القيم الفردية التي تجعل الوجود الحقيقي للفرد مرتبطاً بالإبداع والإنتاج والتميز وتجاوز السائد، الثقافة التي تدعم أي توجه بهذا الاتجاه هي ثقافة الإبداع. أما الثقافة التي تدني من قيمة التفرد والاستقلال والخروج عن السياق فهي ثقافة قاتلة للإبداع والنجاح والتفوق ولا تنتج سوى العديد من أعداء النجاح الذين لا همّ لهم سوى السخرية والاستهزاء. ومن الطبيعي أن يحارب الفاشل الناجح ويرغب في إحباط نجاحه

كيف نجعل للأشياء قيمة، أو كيف ننكشف على قيمة الأشياء؟ وكيف نخرج من حالة فقدان القيمة والمعنى التي تحيط بنا. برأيي أن الفرد العربي مطالب بجهد أكبر من غيره للوصول إلى الشعور بقيمة الأشياء من حوله. هذا الجهد يأتي لتحقيق أكثر من شرط، الشرط الخارجي المتمثل في التخلص من غبش الأحكام السلبية السائدة والشرط الداخلي المتمثل في التخلص من ركام التربية البعيدة عن الإحساس بالجمال والقيمة ،
فلابد أولا أن نقاوم مفردات ثقافة احتقار الحياة.

الثقافة التي ترى أن كل ما يحيط بنا ليس له قيمة باعتبار أن الحياة مجرد محطة مرور لا تستحق الكثير من الاهتمام. النظر لهذه المحطة هو الذي يحدد قيمة الأشياء التي توجد فيها. من أهم الدراسات التي بحثت في هذا السياق دراسة المفكر السعودي إبراهيم البليهي والتي صدرت في كتاب بعنوان " وأد مقومات الإبداع"
هذا الكتاب يتعرض للعديد من النماذج الناجحة في الحياة ليوضح أن الكثير من العراقيل وضعت في طريقهم وأنه لولا الاهتمام الشخصي والبذل والصبر والتضحية لما تحققت هذه النجاحات.

المهمة مهمة فردية، بمعنى أن الفرد يجب أن يقوم بها بنفسه ولا ينتظر أن يقف معه أحد. البداية تكمن برأيي في الانفتاح على ثقافات أخرى يجد فيها الفرد معرفة تحتفي بالنجاح والإبداع وتعطي قيمة للأعمال حتى ولو كانت بسيطة. هذه المعرفة هي برأيي ما سيدعم الفرد في تحقيق طموحة فإذا اجتمع الاهتمام مع المعرفة تحقق الفعل رغم الصعوبات.إلا أن مهمة اكتشاف معاني الأشياء وقيمها الجمالية ليست مهمة ذاتية فقط بل هي متصلة بالآخر أيضا بمعنى أنها تتطلب أيضا البحث عن الجمال والقيمة في الآخرين انطلاقا من موقف أولي قوامه مشاعر إنسانية تعترف بالحقوق المتبادلة وتحتفي بالمشتركات أكثر من احتفائها بالفوارق والاختلافات. مشاعر تعتقد أن هناك جمالاً ما يجب أن نبحث عنه ونتعرف عليه. مشاعر تحتفي بالآخرين وتتفهم وتقترب منهم....
.

من منا يتذكر أن أحدا احتفى بكلمته الأولى أو رسمته الأولى أو أغنيته الأولى. قد نتذكر فقط التأنيب الذي حصلنا عليه بعد محاولاتنا الأولى لأن هذه المحاولات شابها النقص والخطأ!! الكثير من الأحداث والمواقف ذات المعاني العميقة تمر علينا بسرعة وبدون شعور وبالتالي نخسر الكثير الكثير من المعاني التي يمكن أن تجعل حياتنا أجمل وأروع

نحن قادرون على القيام بأعمال جميلة وذات قيمة، الكثير منا يستطيع ذلك ما علينا هو أن نحتفي بكل فعل يحمل مجهود صاحبه ورغبته، الأفعال الجمالية، الفنية، التي تحمل روح الإبداع. علينا أن نبحث عن بذرة الجمال في دواخلنا ودواخل صغارنا وأن نسقيها بماء الحب والدعم والتشجيع... كل هذا من أجل أن يكون للعالم قيمة لتكون لنا قيمة أيضا



ليست هناك تعليقات: